|
دراسات و تراجم - 06/08/2009 - 7:06 pm 
ربما سمعتم بمصطلح المدارس الإسلامية. فالكلمة الإنجليزية، التي تعني مدرسة بالعربية، اكتسبت معاني إضافية منذرة بالسوء بعد هجمات 11 سبتمبر حين بدأ المعلقون والسياسيون الغربيون بالتحذير من أن المدارس الدينية المتطرفة التي تمولها السعودية تقوم بملء الثغرات التعليمية عبر العالم الإسلامي ولكنها تقوم في الوقت ذاته بالزج بالشبان المسلمين مباشرة إلى أحضان القاعدة.
وعلى أي حال، ربما قد تعتقدون أن الأمور كان يجب أن تسوء أكثر منذ ذلك التاريخ بسبب الأزمة المالية العالمية. ولكن ما حدث هو أن عنوان الخبر الصحافي عن المدارس الإسلامية لم يكن أبدا عنوانا كافيا لتفسير المشكلة، وأن المشكلة بالنسبة إلى التعليم في العالم الإسلامي هي أكثر تعقيدا. الأخبار الطيبة هي أن المدارس الدينية الإسلامية لم تكن يوما مدارس متاحة للجماهير، بل إنه حتى المدارس الدينية سيئة السمعة في باكستان لا يلتحق بها أكثر من 3 بالمائة من مجمل عدد الطلاب في البلاد، كما أن هذه الأرقام صغيرة جدا بصورة مساوية في العالم العربي. ومع ذلك فإن هذا ليس سببا كافيا للشعور بالرضى. فالمدارس الحكومية التي تعلم طلبة الجماهير [في العالم العربي] هي مؤسسات تعليمية مخدرة للذهن وغير مناسبة للزمان الذي توجد فيه، فضلا عن أنها غير مفيدة بصورة قاطعة فيما يخص مساعدة خريجيها على مواجهة المنافسة العالمية. ولعل اخفاقات هذه المدارس أكثر خطورة بكثير.
وتجدر الملاحظة أن هذا الجرح هو جرح ذاتي بدرجة كبيرة. ويقول مدافع عربي بارز عن الإصلاح، طلب عدم ذكر اسمه بسبب الحساسيات السياسية للموضوع: «تمت تربية أجيال بأكملها على عدم مساءلة السلطة وعدم التفكير بطريقة نقدية. وكان ذلك قائما على أساس فرضية أنه بفعل هذا فإنه سيتم إنتاج سكان طيعين، ولكن النتائج كانت عكس ذلك تماما».
وقد وثق هذه المشكلة تقرير أصدره البنك الدولي العام الماضي. فالمدارس الحكومية العربية، التي تعلم نحو 80 بالمائة من السكان العرب، مصممة في الغالب على تخريج بيروقراطيين يتمتعون بالقدر الأقل من المهارات الذين لا تتوفر لديهم حتى فرص الحصول على وظائف حكومية. ولن تكون فرص هؤلاء الخريجين في الحصول على وظائف في القطاع الخاص أكثر حظا. وكانت النتيجة، كما يقول مروان المعشر، الذي كان سابقا أحد مهندسي استراتيجية التنمية بعيدة الأمد في الأردن: «هي وجود عدد هائل من الناس العاطلين من العمل، الشاعرين بالإحباط وربما المعرضين للعقائد الراديكالية».
إن تحذير المعشر مثير للخوف» فما نراه خلال التاريخ الحديث هو أن الثورات بدأت بين الناس الذين ارتفعت آمالهم ثم تحطمت. لقد ارتفع العدد الإجمالي للسكان المسلمين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو أربعة أضعاف منذ خمسينات القرن الماضي، كما أن أكثر من 65 بالمائة من هؤلاء السكان هم من فئة أعمار من هم أقل من 25 سنة. وسائل الإعلام وفرت لهؤلاء الناس نظرة عن العالم الأوسع، ولكن مدارسهم لم تمنحهم الوسائل المساعدة للوصول إلى هذا العالم. وفي حين أنه طرأت بعض التحسينات في بعض المجالات في المنطقة مثل زيادة نسبة القادرين على القراءة والكتابة، فإن التضخم الهائل في عدد الشباب يتسبب في خلق عبء ضخم جدا على أنظمة التعليم الحكومية.
فالآباء الذين يأملون في وضع أفضل لأبنائهم تحولوا إلى المدارس الخاصة بصورة متزايدة، ولكن ليس للمدارس الدينية التي تمولها السعودية فقط. مثالان جيدان هما مدارس الشويفات التي تأسست عام 1886 في لبنان ومدارس أنظمة إدارة التعليم العالمي، التي بدأت أساسا في دبي في ثمانينات القرن الماضي. هذان النظامان المدرسيان تزايد انتشارهما بصورة سريعة عبر المنطقة بأسرها، وهما يوفران تعليما علمانيا يقدمه مهنيون محترفون. وفي قطر تبلغ نسبة من يلتحقون بالمدارس الخاصة في المرحلة الابتدائية 72 بالمائة، وتبلغ النسبة ذاتها في دولة الإمارات العربية المتحدة 58 بالمائة. (لكن هذه الأرقام تنخفض بصورة حادة في الدول العربية الأكبر).
ولكن المدارس الخاصة ليست سوى حلول سيئة، إذ إنها تمثل مخاطرة بإمكانية ترسيخ النخب وإبراز الفروق الطبقية التي هي أصلا مصدر لتوترات هائلة. إن ما هو مطلوب هو إعادة تفكير كاملة بالتعليم العربي، تعليم يمنح المجتمعات المحلية قدرا أكبر من النفوذ لناحية ما يتعلمه أطفالهم وكيف يتعلمون ذلك ومساعدة النظام التعليمي على الاستجابة لمتطلبات السوق. ولكن لا ينبغي التعويل على حصول مثل هذا التغيير في فترة قريبة قادمة. وفي الوقت نفسه، فإن المدارس الدينية قد لا تملأ الفراغ. ولكن هذا ليس سوى عزاء بارد للأطفال الذين لا يحصلون على خدمة تعليمية مناسبة في الشرق الأوسط الكبير.
المصدر : نيوزويك - الكاتب: كريستو فرديكي
|
| شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم |
| الرجاء إرسال تعليقك: |
|
|